اليمن - صنعاء المدينة المجهولة ل 99 % من الناس................. Old sana'a - yemen unknown city for 99% of people

الأربعاء، 9 يناير 2013

رحلة أخرى إلى الحديدة
another trip to Al-Hodiedah












ثم يعلق على هذه التعاليم قائلاً :
          " عظمة وعلاء ولكنه قضاء قاس على الإنسانية ، وإن التطبيق الكامل لمثل تلك المبادئ ليمكن أن يملأ الأرض بأديرة فيها الرجال من جهة والنساء من جهة أخرى ينتظرون في طهارة وتأمل الزوال النهائى للنوع الإنساني " (19)

3- العبادة المتواصلة : يفرض نظام الحياة الرهبانية على الراهب أن يكون في حالة عبادة مستمرة يميلها عليه الأب ، ولا يستطيع التردد في الطاعة ، بل عليه أن يجهد نفسه ويرهفها ويكلفها ما لا تطيقه من الصلوات والصيام والتراتيل والترانيم وسائر الطقوس ، وإذا سئم من ذلك أو قصر في شئ منه فإن للنظام عقوباته الرادعة …… ولنأخذ نموذجا نموذج لذلك تعاليم القديس " كولمبان " الذي أسس الأديرة في جبال الفوج بفرنسا ، ومن تعاليمه : " يجب أن تصوم كل يوم وتصلى كل يوم وتعمل كل يوم وتقرأ كل يوم ، وعلى الراهب أن يعيش تحت حكم أب واحد " .
          " ويجب أن يأوي إلى الفراش وهو متعب يكاد يغلبه النوم وهو سائر في الطريق " .. ..  " وكانت العقوبات صارمة أكثر ما تكون بالجلد : ستة سياط إذا سعل وهو يبدأ ترنيمة أو نسى أن يدرم أظافره قبل تلاوة القداس ، أو تبسم أثناء الصلاة ، أو قرع القدح بأسنانه أثناء العشاء الربانى " .
          " وكانت اثنا عشر سوطاً عقاب الراهب إذا نسى أن يدعو الله قبل الطعام وخمسون عقاب المتأخر عن الصلاة ، ومائة لمن يشترك في نزاع ومئتان لمن يتحدث من غير احتشام مع امرأة .
          وأقام " كولمبان " نظام الحمد الذى لا ينقطع ، فكانت الأوراد يتلوها بلا انقطاع ليلاً ونهاراً طائفة بعد طائفة من الرهبان " يوجهونها إلى عيسى ومريم والقديسين " (20) 

4- التعذيب الجنوني : لم يقتصر الأمر على ما ذكره بل كما هي طبيعة البدع تجاوز ذلك إلى تصرفت جنونية تشمئز لها الفطر السليمة ، ابتدعها بعض الرهبان ليعبروا عن قوة إيمانهم وعمق إخلاصهم لمبدئهم ، (وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن الراهب ماكاريوس  أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام ، وكان يحمل دائما نحو قنطار من حديد وكان صاحبه الراهب يوسيبيس يحمل نحو قنطارين من حديد .. ، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح وقد عبد الراهب يوحنا ثلاث سنين قائما على رجل واحدة ولم ينم ولم يقعد طوال هذه المدة ، فإذا تعب جداً أسند ظهره إلى صخرة . وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائما ، وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام ، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش ، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون من غسل الأعضاء ، وأزهد الناس عندهم وأنقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس ، يقول الراهب اتهينس أن الراهب أنتونى لم يقترف إثم غسل الرجلين طوال عمره ، وكان الراهب أبرا هام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين عاماً ، وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمان متلهفاً : و أسفاه ، لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراماً ، فإذا بنا الآن ندخل الحمامات " (21)
وهناك " راهب منعزل اخترع درجة جديدة من الورع يربط نفسه بسلسلة إلى صخرة في غار ضيق " (22) وأما القديس كولمبان فـ ( كانت السناجب تجثم على كتفيه فتدخل في قلنسوته وتخرج منها " (23) وهو ساكن .


(19) ص 115 ، ولم يذكر المؤلف اسم كاتب السفر وقد علمت بعد البحث أنه الراهب اوغسطين انظر سلسلة تراث الإنسانية : 2/649.
(20) قصة الحضارة 14 : 365.
(21) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين : 168.
(22) معالم تاريخ الإنسانية : 732.
(23) قصة الحضارة : 14 : 356. 


       üنظــــــــــــــام الرهبـــــــــــــــــانية :

          يتضمن نظام الرهبانية شروطاً لا بد من تحقيقها في الراهب منها :

1- العزوبة : أهم شروط الرهبانية ، إذ لا معنى للرهبانية مع وجود زوجة ، ومعلوم أن المسيح عليه السلام ، لم يتزوج ، وينسب إنجيل متى إلى المسيح قوله " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل " (15) . على أن التنفير من المرأة وإن كانت زوجة ، واحتقار وترذيل الصلة الجنسية وإن كانت حلالاً ، من أساسيات المسيحية المنحرفة ، حتى بالنسبة لغير الرهبان ، يقول " سان بونافنتور " أحد رجال الكنيسة :
          " إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائنا بشرياً ، بل ولا كائنا حياً وحشياً ، وإنما الذى ترون هو الشيطان بذاته والذى تسمعون هو صفير الثعبان " (16) .


(15) 19 : 13 .
(16) أشعة خاصة بنور الإسلام : 29 . 

      ×        أسبــــــــــــاب الرهبانيـــــــــــة :

1- عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة : إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة ، وموجزها أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة " شجرة المعرفة ! " فعاقبه الله بالطرد من الجنة وأسكنه التراب ، وظل الجنس البشرى يرسف في أغلال تلك الخطيئة أحقابا متطاولة حتى أنزل الله تعالى ابنه " تعالى على ذلك علواً كبيراً " ليصلب فداء للنوع الإنساني وليبين للناس طريق الخلاص من هذه الخطيئة ، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يقتل نفساً لمنحها الخلاص ، يقول إنجيل متى " من أراد أن يخلص نفسها يهلكها " (9)
         
ويقول إنجيل لوقا : " من طلب أن يخلص نفسه يهلكها ومن أهلكها " (10) ولما كانت المرأة حسب رواية سفر التكوين هي التي أغرت الرجل بالأكل من الشجرة ، فإن النصرانية المحرفة ناصبت المرأة العداء باعتبارها أصل الشر ومنبع الخطيئة في العالم . لذلك فإن عملية الخلاص من الخطيئة لا تتم إلا بإنكار الذات وقتل كل الميول الفطرية والرغبات الطبيعية ، والاحتقار البالغ للجسد وشهوته لا سيما الشهوة الجنسية .
          ومن ناحية أخرى تولد عن الشعور المستمر بالخطيئة أن قنط كثيرون من رحمة الله فلا يكاد أحدهم يقترف كبيرة حتى تظلم الدنيا في عينيه ويثأر من نفسه بإرغامها على الالتحاق بأحد الأديرة والمترهبين فيه .


(9) 16 : 26 .
(10) 17 : 24 .

وبذلك استحقوا المقت من الله وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم . ثم بعث الله عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، ومعه الإنجيل فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد ، أولاد الأفاعي ، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه ، وكان يوصى الحواريين والتلاميذ ، قائلا"  : "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" (2) .
          لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالا" من الأحبار ، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين ، وساعد وجودهم ضمن الإمبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية ، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الإمبراطور وقاعدته الجنود ، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته الباب وقاعدته الرهبان . ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الإمبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر .
          يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة – كما سبق –أن تعاليم يسوع الناصري تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين ، وهي لم تكن كهنوتية ، ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل ، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس ، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة .

          "بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين ، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل "كنواة لها" ، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين ، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة والعمل الجوهري في العبادة فيها القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس ، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة" (3)
          وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق" الذي يقتضي ألا يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله طالباً الصفح والمغفرة ، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له ، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أنداداً لله تعالى وأوقعوا أتباعهم في الشرك الأكبر ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) وفوق كونه مبدأ باطلاً شرعاً ، ساقطاً عقلاً ، فإنه ليس في الأناجيل – رغم تحريفها – ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه .
          وقد ترتب على هذا المبدأ آثار سيئة للغاية ،منها احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل ، ثم مهزلة صكوك الغفران ، وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية التي دمرت الحياة بصفة عامة ، وأخيراً كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد ،في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة ، وسيأتي تفصيل هذه الأمور في أبوابها بإذن الله - (4) .
          يقول العالم الفرنسي المهتدي " ناصر الدين دينيه " :
          "الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان ، إذ ليس بين الله وعبده وسيط وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان ، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم ، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك ، ألم يطرد بائعي "الهيكل " ؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثلما فعل ، واليوم لو عاد عيسى فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل ؟
          "كذلك ما اكثر البلايا والمصائب ، بل ما أكثر المذابح والمجازر التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء ، سواء كانت بين العائلات وبعضها أو بين الشعوب والشعوب ، وهم في ذلك كله يصيحون : باسم مجد الله " (5)


(2) متى 20 : 26 .
(3) معالم تاريخ الإنسانية 3 : 720 .
(4) انظر فصل طغيان الكنيسة من الباب الثاني "الطغيان الديني " ص128 .
(5) أشعة خاصة بنور الإسلام :23.

ونحن لا ننكر التشابه الظاهر بين رجل الاكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة ، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن أصل صحيح واحد ولا نمضي أبعد من ذلك ، أما التعليل المباشر الذي يوضح الأًصل الحقيقي لرجال الدين فهو أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ، عليه السلام ، واحتفظ بها الأحبار من بعده ، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه كي يسير عليها الفرد والمجتمع ، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون ، ونهاهم عن كتمان شئ منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به ، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً ، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية يأكلون أموال الناس بالباطل ويتقبلون القرابين ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع ، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال .
          وبذلك استحقوا المقت من الله وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم . ثم بعث الله عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، ومعه الإنجيل فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد ، أولاد الأفاعي ، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه ، وكان يوصى الحواريين والتلاميذ ، قائلا"  : "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" (2) .
          لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالا" من الأحبار ، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين ، وساعد وجودهم ضمن الإمبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية ، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الإمبراطور وقاعدته الجنود ، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته الباب وقاعدته الرهبان . ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الإمبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر


(2) متى 20 : 26 .
أصبح معي مبلغ كبير من المال ستون مليون ريال

i have about 280.000 US Dollar



- القول المنسوب إلى للمسيح (( أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) :
          هذا القول هو أقوى وأصرح حجج الكنيسة ، ولقد ظل شعاراً ترفعه أوروبا كلما أملى عليها الهوى أن تخالف شرع الله وتتمرد على شرعه ، وبفضل هذا الشعار أخذ الدين ينكمش وينحسر على مر القرون حتى لم يبق له في أحسن الأحوال إلا ساعة في الأسبوع خاوية من كل معنى .. فما قيمة ذا الدليل بالمناظرة العلمية المنصفة ؟

          لقد سبق أن قلنا إن كل ما روى عن المسيح من أقوال ليست منسوبة إليه يقيناً ، بل لا ظناً راجحاً ، فالكنيسة بدلت وحرفت وأضافت وحذفت حتى طمست تعاليمه وأقواله ودفنتها إلى الأبد ، وهذا القول مما يجوز أن يقال فيه – مبدئيا – إن المسيح لم يقله وإنه من غضافات الكنيسة ، ومادام البحث العلمي يقرر أن الأناجيل كلها ظنية الثبوت ظنية الدلالة فكيف يسوغ للكنيسة أن تحتج بهذه الظنيات في مسألة بالغة الخطورة كهذه ؟
ولندع القيمة العلمية التاريخية للنص وننظر نظرة موضوعية فاحصة في منطوق العبارة ومدلولها فماذا نجد ؟

          إن هذه العبارة ظاهرها الأمر الصريح بالشرك (( أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) فهي تجعل قيصر شريكاً لله في التوجه إليه بالعمل ومن ينفذها عن ظاهرها يقع حتماً في شرك الطاعة والاتباع وهو شرك أعظم ، لتنافيه مع توحيد الألوهية ، وهذه الدلالة تكفي لنفي صدور العبارة من المسيح عليه السلام ، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لتحذير الجماعة البشرية من الشرك وتنفيرها منه جليلة ودقيقة ، فكيف يأمر نبي من أنبياء الله من أولى العزم بالشرك ويدعو إليه بهذه الصورة ؟

2- (( مملكتي ليست من هذا العالم ))
          بقطع النظر عن صحة نسبة هذه العبارة إلى المسيح  عليه السلام أو عدمها ، نجد أن الكنيسة فهمتها فهماً خاصاً ، وجعلت هذا الفهم منهجاً واصلاً من أصول عقيدتها تقاوم بها الفطرة البشرية والعقل السليم والتطور الإيمانى المستقيم .
          فهمت الكنيسة من قول المسيح (( مملكتي ليست من هذا العالم )) إن كان قالها – إن الدنيا الخرة ضرتان متناحرتان وضدان لا يجتمعان : الدنيا مملكة الشيطان ومحط الشرور والاثآم ، وعمل الإنسان فيه لتحسين أوضاعه المعاشية ومحاولة تحقيق القسط الملائم من السعادة والرفاهية والتمتع بطيبات وخيرات الكون : كلها أعمال دنسه يمليها الشيطان ليصرف الإنسان عن مملكة المسيح الخالدة ( الآخرة ) والفقر وشظف العيش – حسب المفهوم الكنسي– هما مفتاح الملكوت الضامن ، وتنسب الأناجيل إلى المسيح قوله (( إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله )) (20) . وبمقتضى ذلك لا يسأل الإنسان الله شيئاً من متاع الدنيا أو خيراتها العاجلة ، بل يقتصر على ما طلبه المسيح حسب رواية الأناجيل(خبزنا كفانا ) (21) .
          والإنسان – حسب هذا المفهوم – يولد موصماً بالخطيئة الموروثة ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن ، وكما أن آباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضى عليه بالحرمان والنكد ، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت .


(20) متى : 19 / 25 .
(21) متى : 6 / 12 .





انه ، عيسى عليه السلام قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد ، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية ، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة  لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق .

وكان أول من وضع العراقيل أمام المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء ، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنث الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية ، وقد جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه ، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه .
ومن بعد وفاة المسيح ، عليه السلام ، اشتدت المحنة على أتباعه من اليهود والرومان سواء .
          أما اليهود فكانوا كما تحدثت رسالة (( أعمال الرسل )) يقتلون المسيحيين ويرجمونهم ويغرون بهم الولاة وكان من أبرز المضطهدين لهم شاؤل اليهودى ، الذي تقول عنه الرسالة المذكورة :
" أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءاً ويسلمهم إلى السجن" (6)، على أن أعظم محنة نزلت بالمسيحية عقيدة وشريعة هي عملية (( الغزو من الداخل )) التي قام بها شاؤل : فقد تظاهر باعتناق المسيحية وجاء بتعاليم مناقضة سبق ذكر بعضها ، وأخذ يؤلب على المسيحيين الحقيقيين ، وبذلك أحدث فوضى عقائدية وبلبلة فكرية ، فتضاعفت البلاء على المسيحيين ، إذ أصيبوا في دينهم وأنفسهم دفعة واحدة .


وأما الرومان فقد أنزل أباطرتهم بأتباع المسيح أشد الأذى ، واشتهر باضطهادهم ( نيرون 64م) و (تراجان – 106 ) و ( ريسويس – 251 ) و( دفقلديانوس – 3280 ) وبلغ بهم الاضطهاد إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوانات ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم ، أو يلبسونهم ثياباً مطلية بالقار ويقودونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم (7) وفي وسع المرء أن يدرك الحال الذي تكون عليها شريعة يضطهد أتبعاها ثلاثة قرون ويطاردون في معتقداتهم وأفكارهم وهذه المطاردة ، كيف يمكن أن تقوم عليها دولة تنافح عنها وتلزم بتعاليمها وتثبت للعالم أنها شريعة كاملة .
وإذا اتضحت لنا هاتان الحقيقتان ، نعود إلى فصل الدين عن الدولة الذي مارسته الإمبراطورية الرومانية والكنيسة ابتداء من سنة (325) .
          إن الكنيسة لتهتز طرباً إذا ذكر لها عام (325) ، فهو يمثل في نظرها عام النصر الحاسم على أعداء المسيح وبداية العصر الجديد – عصر السيادة والحرية – بعد عصر الاضطهاد والهوان .
          لقد حصلت الكنيسة على ما لم يكن ليحلم به آباؤها الأولون … فبينما عاش المسيح والتلاميذ تحت تهديد الوالي الروماني ينظرون إلى الامبراطورية الفسيحة نظر من لا يطمع منها بشيء ، نرى الكنيسة في القرن الرابع تظفر بالامبراطور نفسه صيداً ثميناً وتعمده بالماء المقدس إيذنا بدخوله دين المسيح .



(7) انظر محاضرة في النصرانية : 32 ، وتاريخ العالم الإسلامى : 21 واضمحلال الامبراطورية الرومانية : فصل 15 



(6) صح 8 :4 


وهكذا كان للرومان دين لكنه دين وجداني مجرد لا تأثير له في السلوك العملي ولا يفرض التزامات خلقية معينة ، ولا ينظم من شؤون الحياة شيئاً ، حتى إننا لنكاد نقول أن الامبراطورية الرومانية نسخة قديمة من الولايات المتحدة الأمريكية اليوم .

          كان الفرد الروماني كالأمريكي اليوم يخرج من نحلة إلى أخرى ، ويتنقل من مبدأ إلى نقيضه دون أن يطرأ على حياته العملية وسلوكه الشخصي أي تغيير فالدين في نظره فكرة مجردة وعقيدة وجدانية فحسب 

يقول برنتن :
          "وقد امتدت هذه الهرطقات فشملت الجانب الأكبر من السلوك والعقائد ، ونستطيع أن نأخذ الجدل النهائي الذي ثار حول العلاقة بين يسوع والإله الواحد الإله الأب مثلاً لعصر الهرطقة كله ، وأخيراً قبلت المسيحية الرسمية في عام 325 في مجلس نيقية بالقرب من القسطنطينية عقيدة التثليث أو ما نادى به أثانسيوس ، والثالوث "الله    الأب ، ويسوع الابن ، والروح القدس ، طبقاً لهذه العقيدة : أشخاص حقيقيين ، عددهم ثلاثة لكنهم واحد أيضا ، وبقيت المسيحية وحدانية تثليثها يسمو في الرياضيات (8) .
          وهنا ، عند هذه النقطة خاصة تصطدم أراء بولس وكنيسته بالفطرة والعقل اصطدما مباشراً ، فمهما حاول أي عقل بشرى أن يتصور أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة فإنه لا يستطيع إطلاقاً ، مع أن الملايين من أتباع الكنيسة يقولون في كل صلاة " باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد " .

          لقد ظل العقل البشرى يلح على الكنيسة أن تعطيه إجابة مقنعة يتخلص بها من سؤال داخلى قاتل وهو : كيف أصدق أن 1 + 1 + 1 = 1 ؟
فكان رد الكنيسة المتكرر دائما هو أن ذلك " سر " لا يستطيع العقل إدراكه .

          هكذا كان رأى القديس أوغسطين (430) وهو يواجه حملة آريوس على التثليث الكاثوليكي ، وقال أن كل ما جاء في الأناجيل لا ينبغي للعقل أن يجادل فيه " لأن سلطانها أقوى من كل سلطان أمر به العقل البشرى (9) .
كذلك القديس توما الأكويني ( + 1274 ) ، فهو " يقرر أن الحقائق التي يقدمها الإيمان لا يقوى العقل على التدليل عليها ، ففي استطاعة العقل أن يتصور ماهية الله Essence ) ، ولكنه لا يستطيع أن يدرك تثليث الأقانيم ومن دلل على عقيدة التثليث في الأقانيم حقر من شأن الإيمان ) (10)
          وهكذا كان رأى الكنيسة وهي تواجه انتقادات " أبيلارد " في القرن الثاني عشر الميلادى الذي أدان رأى أبيلارد وقرر إحراق كتابه وأن يضعه بيده في النار (11) ولا يزال هذا هو رأى الكنيسة وإلا فماذا في إمكانها أن تقول غير ذلك ؟
حتى الكنائس الشرقية تذهب إلى هذا الرأي ، فالقس باسيلوس يقول : " أن هذا التعليم عن التلثيث فوق إدراكنا ، ولكن عدم إدراكه لا يبطله " ..
          وزميله توفيق جيد يقول : " إن تسمية الثالوث باسم الأب والابن والروح القدس تعتبر أعماقا الهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نتفلسف في تفكيكها أو تحليلها أو أن نلصق بها أفكارنا من عندياتنا" (12) .

          من هذه الإجابات يتضح أن الكنيسة لم تضع حلاً للمشكلة إلا المشكلة نفسها ، فالعقل يسأل الكنيسة عن سر التثليث فتجيب بأن هذا " سر " وياليت أنه كان السر الوحيد ، ولقائل أن يقول : أن الأديان بما فيها الإسلام لا تخلو من مغيبات أو حقائق لا يستطيع العقل إدراكها ولكن يدفع هذا القول أن هناك فرقا بين ما يحكم العقل باستحالته كالتثليث وبين ما لا يستطيع العقل إدراكه ، والإسلام ، وإن كان فيه الأخير ، فإنه يخلو تماماً من الأول ، فليس فيه ما يحكم العقل باستحالته أبداً (13)

          إن الكنيسة ، بتبنها لعقيدة التثليث ، قد فتحت على نفسها ثغرة واسعة يستطيع أعداؤها أن ينفذوا من خلالها إلى هدم الدين البوليسي الكنسي بسهولة ، وكانت هذه العقيدة واضرابها المقومات الأساسية للفكر الديني الذي تستر بستار " النقد التاريخى للكتب المقدسة " ابتداء من القرن السابع عشر ، ولا بأس هنا أن نورد قول أحد أقطاب هذا الفكر وهو الفيلسوف " رينان " الذي حرمته الكنيسة وحظرت كتبه :



(8) أفكار ورجال .
(9) قصة النزاع بين الدين والفلسفة ، توفيق الطويل : 83 ، وانظر سلسلة تراث الإنسانية /648 ، 662 .
(10) المصدر السابق : 87 .
(11) المصدر السابق : 89 .
(12) الله واحد أم ثالوث : مجدى مرجان : 11 .
(13) مستفادة من محاضرة شفوية للشيخ الغزالى للسنة 96 1393 هـ ثم وجدت مثلها في شرح الطحاوية : 247 . 

اراشيف