اليمن - صنعاء المدينة المجهولة ل 99 % من الناس................. Old sana'a - yemen unknown city for 99% of people

الخميس، 28 أبريل، 2011



رحلة أبن بطوطه إلى مدينة تعز

رحله ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار


مقتطف من الرحلة إلى اليمن في سنة 750هـ/ 1349م



(واستمرت نحو24 عاماً من طنجة بالمغرب العربي)

يقول فيها (وبعد ستة أيام من خروجنا عن جزيرة سواكن وصلنا إلى مدينه خلي وتعرف باسم ابن يعقوب وكان من سلاطين اليمن ساكنا بها قديما وهي كبيره حسنه العمارة يسكنها طائفتان من العرب وهم بنو حرام وكنانة وجامع هذه المدينة من أحسن الجوامع وفيه جماعه من الفقراء المنقطعين إلى العبادة ومنهم الشيخ الصالح العابد الزاهد قبوله الهندي من كبار الصالحين . لباسه مرقعه وقلنسوه لبد وله خلوه متصلة بالمسجد فرشها الرمل والحصير بها والبساط ولم أر بها حين لقائي له شيئا إلا إبريق الوضوء وسفره من خوص النخيل فيها كسر شعير يابسة وصحيفة فيها ملح وسعتر فإذا جاءه احد قدم بين يديه ذلك ويسمع به أصحابه فيأتي كل واحد منهم بما حضر من غير تكلفة شيء وإذا صلوا العصر اجتمعوا للذكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب وإذا صلوا المغرب اخذ كل واحد منهم موقفه للتنفل فلا يزالون كذلك إلى صلاة العشاء الآخرة فإذا صلوا العشاء الآخرة أقاموا على الذكر إلى ثلث الليل ثم يذكرون إلى ان تحين صلاة الإشراق فينصرفون بعد صلاتها ومنهم من يقيم إلى ان يصلي الضحى بالمسجد وهذا دأبهم أبداً ولقد أردت الإقامة معهم باقي عمري ولم أوفق لذلك والله تعالى يتداركنا بلطفه وتوفيقه وسلطان حلي عمر بن ذؤيب من بني كنانة وهو من الفضلاء والأدباء والشعراء سافر في حجته من مكة إلى جدة وكان قد حج في سنة ثلاثيه ولما قدمت مدينته أنزلني وأكرمني وأقمت في ضيافته أياماً وركبت البحر في مركب له أوصلني إلى بلدة السرجة بلدة صغيرة يسكنها جماعه من أولاد اللهبي وهم ضائفة من تجار اليمن أكثرهم ساكنون بصعدة ولهم فضل وكرم وإطعام أبناء السبيل يعينون الحجاج ويركبونهم في مراكبهم ويزودونهم من اموالهم وقد عرفوا بذلك واشتهروا به فكثر الله أموالهم وزادهم من فضله وأعانهم على فعل الخير وليس بالأرض من يماثلهم في ذلك إلا الشيخ بدر الدين النقاش الساكن ببلده القحمه فله مثل ثم رحلنا إلى مرسي الحارث ولم ننزل به ثم إلى مرسي الاهواب ثم إلى مدينه زبيد مدينه عظيمه باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا وليس باليمن بعد صنعاء اكبر منها ولا أغنى من أهلها واسعة البساتين كثيره المياه والفواكه من الموز وغيره وهي بريه لاشطيه احد قواعد بلاد اليمن مدينه كبيره كثيرة العمارة بها النخيل والبساتين والمياه املح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافه الشمائل وحسن الأخلاق وجمال الصور ولنسائها الحسن الفائق الفائت وهي وادي الخصيب الذي يذكر في بعض الآثار (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ في وصيته "يامعاذ إذا جئت وادي الخصيب فهرول "ولأهل هذه المدينة سبوت النخيل المشهورة وذلك أنهم يخرجون في أيام البسر والرطب في كل سبت إلى حدائق النخل ولا يبقى بالمدينة احد من أهلها ولا من الغرباء ويخرج اهل الطرب وأهل الأسواق لبيع الفواكه والحلاوات وتخرج النساء ممتطيات الجمال في المحامل ولهن مع ماذكرنا من الجمال الفائت والأخلاق الحسنه والمكارم وللغريب عندهن مزية ولا يمتنعن من تزويجه كما يفعلن نساء بلادنا فاذا أراد السفر خرجت معه وتودعه وان كان بينهما ولد فهي تكفله وتقوم بما يجب له إلى ان يرجع ابوه ولا تطالبه في أيام الغيبه بنفقه ولا كسوه ولا سواها وإذا كان مقيما فهي تقنع منه بالقليل من النفقه والكسوة ولكنهن لا يخرجن عن بلدهن ابدا ولو أعطيت إحداهن ماعسى أن تعطاه على أن تخرج من بلدها لم تفعل وعلما تلك البلاد وفقهاؤها اهل صلاح ودين وامانه ومكارم وحسن خلق ولقيت بمدينه زبيد الشيخ العالم الصالح ابا محمد الصنعاني والفقيه الصوفي المحقق ابا العباس الابياني والفقيه المحدث ابا علي الزبيدي ونزلت في جوارهم فاكرموني وأضافوني ودخلت حدائقهم واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي زيد عبدالرحمن الصوفي احد فضلاء اليمن ووقع عنده ذكر العابد الزاهد الخاشع احمد بن العجيلي اليمني وكان من كبار الرجال واهل الكرامات وذكروا ان فقهاء الزيديه وكبراءهم أتوا مره إلى زيارة الشيخ احمد بن العجيبل فجلس لهم خارج الزاوية واستقبلهم أصحابه ولم يبرح الشيخ عن موضعه فسلموا عليه وصافحهم ورحب بهم ووقع بينهم الكلام في مساله القدر وكانوا يقولون أن لا قدر وان المكلف يخلق افعاله فقال لهم الشيخ "فان كان الأمر على ماتقولون فقوموا عن مكانكم هذا "فارادوا القيام فلم يستطيعوا وتركهم الشيخ على فدخل الزاويه واقامو كذلك واشتد بهم الحر ولحقهم وهج الشمس وضجوا بما نزل بهم فدخل اصحاب الشيخ اليه وقالوا له "ان هؤلاء القوم قد تابوا إلى الله ورجعوا عن مذهبهم الفاسد "فخرج عليهم الشيخ فاخذ بايديهم وعاهدهم على الرجوع إلى الحق وترك مذهبهم السيئ " وأدخلهم زاويته فأقاموا في ضيافته ثلاثا وانصرفوا إلى بلادهم وخرجت لزيارة قبر هذا الرجل الصالح وهو بقرية يقال لها غسانة خارج زبيد ولقيت ولده الصالح ابا الوليد إسماعيل فأضافني وبت عنده وزرت ضريح الشيخ وأقمت معه ثلاثا وسافرت في صحبته إلى زياره الفقيه ابي الحسن الزيلعي وهو من كبار الصالحين ويقدم حجاج اليمن إذا توجهوا للحج وأهل تلك البلاد وأعرابها يعظمونه ويحترمونه فوصلنا إلى جبله وهي بلده صغيره حسنه ذات نخيل وفواكه وانهار فلما سمع الفقيه ابو الحسن الزيلعي بقدوم الشيخ ابي الوليد استقبله اوانزله بزاويته وسلمت عليه وأقمنا عنده ثلاثة أيام في خير مقام ثم انصرفنا وبعث معنا احد الفقراء فتوجهنا إلى مدينه تعز حاضرة ملك اليمن وهي من أحسن مدن اليمن وأعظمها وأهلها ذوو تجبر وتكبر وفظاظه وكذلك الغالب على البلاد التي يسكنها الملوك وهي ثلاث محلات احدها يسكنها السلطان ومماليكه وحاشيته وأرباب دولته وتسمى باسم لا اذكره والثانيه يسكنها الأمراء والأجناد وتسمى عدينه والثالثة يسكنها عامة الناس وبها السوق العظمى وتسمى المحالب و"سلطان اليمن "وهو السلطان المجاهد نور الدين علي بن السلطان المؤيد هزبر الدين داود بن سلطان المظفر يوسف بن علي بن رسول اشتهر جده برسول لان احد خلفاء بني العباس أرسله إلى اليمن ليكون بها أميرا ثم استقل اولاده بالملك وله ترتيب عجيب في قعوده وركوبه كنت لما وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي بعثه الشيخ ابو الحسن الزيلعي في صحبتي قصد بي إلى قاضي القضاة الإمام المحقق صفي الدين الطبري المكي فسلمنا عليه ورحب بنا وأقمنا بداره في ضيافته ثلاثا فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الخميس وفيه يجلس السلطان لعامه الناس .دخل بي عليه فسلمت عليه وكيفيه السلام عليه أن يمس الإنسان الأرض بسبابته ثم يرفعها إلى رأسه ويقول "أدام الله عزك " ففعلت كمثل ما فعله القاضي عن يمين الملك وأمرني فقعدت بين يديه فسالني عن بلادي وعن مولانا أمير المسلمين جواد الاجواد أبي سعيد رضي الله عنه وعن ملك مصر وملك العراق وملك اللور فأجبته عما سال من أحوالهم وكان وزيره بين يديه فأمره باكرامي وانزالي وترتيب قعود هذا الملك انه يجلس فوق دكانه مفروشه مزينه بثياب الحرير وعن يمينه ويساره اهل السلاح ويليه منهم أصحاب السيوف والدرق ويليهم أصحاب القسي وبين أيديهم في الميمنة والميسرة الحاجب وأرباب الدولة وكاتب السر وأمير جندار على رأسه والشاويشيه وهم من الجنادره وقوف على بعد فإذا قعد السلطان صاحوا صيحة واحده "بسم الله " فإذا قام فعلوا مثل ذلك فيعلم جميع من بالمشور وقت قيامه ووقت قعوده فإذا استوي قاعدا دخل كل من عادته إن سلم عليه فسلم ووقف حيث رسم له بالميمنة أو الميسرة لا يتعدى احد موضعه ولا يقعد إلا من أمر بالقعود يقول السلطان للأمير جندار "مر فلانا يقعد " فيتقدم ذلك المأمور بالقعود عن موقفه قليلا وقعد على بساط هناك بين ايد القائمين في الميمنة والميسرة ثم يؤتي بالطعام وهو طعامان طعام للعامة وطعام للخاصة فأما الطعام الخاص فأكل منه السلطان وقاضي القضاة والكبار من الشرفاء ومن الفقهاء والضيوف وأما الطعام العام فيأكل منه سائر الشرفاء والفقهاء والقضاة والمشايخ والأمراء ووجوه الأجناد ومجلس كل إنسان للطعام معين لايتعداه ولا يزاحم احد منهم احد وعلى مثل هذا الترتيب سواء هو ترتيب ملك الهند في طعامه فلا اعلم هل ان سلاطين الهند آخذو ذلك عن سلاطين اليمن ام سلاطين اليمن اخذو ذلك عن سلاطين الهند وأقمت في ضيافة سلطان اليمن أياماً وأحسن إلي وأكرمني وانصرفت إلى صنعاء وهي قاعدة بلاد اليمن مدينه كبيره حسنه العمارة بناؤها بالآجر والجص كثيرة الأشجار والفواكه والزرع معتدلة الهواء طيبه الماء ومن الغريب ان المطر ببلاد الهند واليمن والحبشة إنما ينزل في أيام القيظ وأكثر مايكون نزوله بعد الظهر من كل يوم في ذلك الأوان فالمسافرون يسافرون عند الزوال لئلا يصيبهم المطر وأهل المدينة ينصرفون إلى منازلهم لان إمطارها وأبله متدفقه والمدينة مفروشه كلها فإذا نزل المطر غسل جميع أزقتها وانقاها وجامع صنعاء من احسن الجوامع وفيه قبر نبي من الانبياء عليهم السلام ثم سافرت منها إلى مدينه عدن مرسى بلاد اليمن على ساحل البحر الأعظم والجبال تحف بها ولا مدخل اليها الا من جانب واحد وهي مدينه كبيره لا زرع بها ولا شجر ولا ماء وبها صهاريج يجتمع فيها الماء أيام الأمطار والماء عبى بعد منها فربما منعه العرب ولوا بين اهل المدينة وبينه حتى يصانعوهم بالمال والثياب وهي شديده الحر وهي مرسى اهل الهند تاتي اليها المراكب العظيمة من كنبايت وتانه وكولم وقالقوط وفندراينه والشاليات ومنجرور وفاكنو وهنور وسندابور وغيرها وتجار الهند ساكنون بها وتجار مصر أيضاً وأهل عدن ما بين تجار وحمالين وصيادين للسمك وللتجارمنهم اموال عريضه وربما يكون لأحدهم المركب العظيم بجميع مافيه لايشاركه فيه غيره لسعه مابين يديه من الأموال ولهم في ذلك تفاخر ومباهاه ذكر لي ان بعضهم بعث غلاما له ليشتري له كبشا وبعث اخر منهم غلاما له برسم ذلك ايضا فاتفق انه لم يكن بالسوق في ذلك اليوم الا كبش واحد فوقعت المزايده فيه بين الغلامين فانهي ثمنه إلى أربعمائة دينار فأخذه احدهما وقال "ان راس مالي اربعمائه دينارفان اعطاني مولاي ثمنه فحسن والا دفعت فيه راس مالي ونصرت نفسي وغلبت صاحبي" وذهب بالكبش إلى سيده فلما عرف سيده بالقضية أعطاه الف دينار وعاد الاخر إلى سيده خائبا بضربه واخذ ماله ونفاه عنه ونزلت في عدن عند تاجر يعرف بناصر الدين الفاري فكان يحضر طعامه كل ليله نحو عشرين من التجار وله غلمان وخدم اكثر من ذلك ومع هذا كله فهم اهل دين وتواضع وصلاح ومكارم أخلاق يحسنون إلى الغريب ويؤثرون على الفقير ويعطون حق الله من الزكاة على مايجب ولقيت بهذه المدينة قاضيها الصالح سالم بن عبدالله الهندي وكان والده من العبيد الحمالين واشتغل ابنه بالعلم فراس وساد وهو من خيار القضاة وفضلائهم وأقمت في ضيافته أيام)



كتاب استمتعت كثيراً بقراءته وكأنني كنت أحد مرافقيهم في البعثة المتوجهة إلى اليمن السعيد عام (1761-1767م) في القرن الثامن عشر أي منذ حوالي 246سنة وهو من تأليف توركيل هانسن الدنماركي عام 1962م وترجمه إلى الانجليزية عام 1964م بعنوان العربية السعيدة ومن ثم ترجم إلى العربية عن طريق الأستاذ محمد احمد الرعدي وكما قال الدكتور المقالح في مقدمة الكتاب انه حين ظهور الكتاب باللغة العربية كان بمثابة الكشف عن مخطوط نفيس أو نقش نادر يؤرخ لأول حملة علمية أوربية وصلت إلى اليمن وزارت مصر قبل دخول الحملة الفرنسية الشهيرة بنصف قرن تقريباً .


وبعد سبع سنوات كأنها الدهر انتهت الرحلة الحزينة وعاد آخر فرسانها إلى كوبنهاجن لقد توجهوا جمعياً إلى العربية السعيدة ولكن لم يعد من هؤلاء الرجال الستة إلى الدنمارك إلا واحد فقط .

لقد بدأت الرحلة بهم جميعاً في يناير 1761م وانتهت بعودة نيبور "Carsten Niebuhr" في نوفمبر 1967م .

جاءت البعثة الدنماركة لتثبت أن اليمن ليست كغيرها فقد كانت مصدر البخور والمّر ومصدر كثير من المنتجات التي كان الغرب ما يزال يهتم بها.

وقد كشفت الرحلة أجزاء أخرى عن الخصائص الإنسانية والأخلاقية والحضارية للإنسان اليمني في عصر الرحلة وبالمقارنة بين إنسان اليمن ذي الحس الحضاري بالإنسان في بقية الأقطار التي زارتها البعثة في تلك الفترة نجد أنفسنا أمام ظاهرة تستحق التسجيل والإشارة وان هذه الأرض هي ارض السعادة كما يقال .. ففي إحدى صفحات الكتاب يقول الكاتب: وسار فورسكال في هذه المناطق دون أن يحاول احد تهديده أو تكدير صفوه وقد كتب في رسالة يقول قبل الآن كنت مضطراً أن أواجه الأبحاث النباتية واللصوص في وقت واحد . لقد شعر براحة كبيرة في اليمن حيث علم أن باستطاعته مواصلة أبحاثه النباتية في سلام وأمان مواجهاً اقل العوائق كما لو كانت بلده وفي ما عدا الأمراض والمضايقات الشخصية من داخل أفراد البعثة أنفسهم وكيد بعضهم لبعض فإن بقائهم في اليمن كان فترة ضيافة طويلة..

ويستطرد المؤلف قائلاً : وهاهم الآن بعد أن واجهوا في رحلتهم الصعاب الكثيرة يصلون البلد الذي قصدوه فيستقبلون فيه استقبال الضيوف الذي طال انتظارهم ويرحب بهم كما يرحب بالأصدقاء القدامى العائدين إلى وطنهم .

كانت تلك البعثة هي أول بعثة ترسلها دولة إلى اليمن واهم بعثة ترسلها أوروبا حتى ذلك الوقت ، وتتكون من ستة افراد هم : البرفسور فون هافن متخصص في اللغات والبرفسور فورسكال عالم نبات وفيزيائي والمهندس الملازم نيبور عالم في الرياضيات والفلك والدكتور كرامر طبيب وفيزيائي وبورنفانيد فنان ورسام ونحات.

وما يهمني هنا هو وصولهم إلى تعز فقد أخذوا معهم من المخاء ما يكفي الإنفاق منه سنة كاملة في المناطق المرتفعة وعند غروب الشمس في 9 يونيو 1763م أي منذ حوالي 246 سنة وهذا التاريخ يتوافق مع وجود وعيش جدي السابع والثامن من ذلك القرن .. اتجهوا إلى تعز وقد وصفوا الطريق إليها بأنها كانت طرق حجرية وغير مأمونة ليلاً وفي النهار كانت الممرات الجبلية خطرة للغاية وأمطار وعواصف شديدة وتحولت الطرق إلى انهار مزبدة وأخذت المناظر تتبدل أمام ناظريهم ووجدوا أنفسهم بين تلال خصبة ومناظر بعيدة لمدرجات خضراء مزروعة بالقمح وأصبح في استطاعتهم الهروب من شمس الهجير إلى ظلال أشجار التين (البلس) والتمر الهندي (الحمر) وفي الثالث عشر من شهر يونيو بعد أربعة أيام فقط من مغادرتهم مدينة المخاء وصلوا إلى تعز الواقعة في أكمة .

ورغم أن حاكم تعز في تلك الأيام انزعج حين رآهم بسبب الإشاعات في المخا عنهم (قصة طويلة) قادهم إلى منزل ليقيموا فيه وأرسل إليهم خروفين مع طعامهما وكيسين من الطحين وتقبل منهم هدية كانت عبارة عن لفة من الكتان الهندي.


وقد رفع من معنوياتهم الطقس البارد مقارنة بالمخاء وكانت السماء تمطر عليهم كل يوم مطراً خفيفاً.

في هذه الوقت شكل العمل كل اهتمامهم فبدأ نيبور يجمع المعلومات عن تاريخ المدينة وشكل حكومتها وقام برسم صورة اولية للبنايات داخل أسوارها ومنظرها من جهة الشمال رغم ان الرسم ليس من اختصاصه. وإنما من اختصاص بورنفانيد الذي كان مشغولاً طوال اليوم برسم نباتات فورسكال وقد وصفت المدينة بأنها تقع أسفل جبل صبر الذي يشتهر محلياً بأنه مغطى بجميع الأزهار في العالم ولم يسمح لهم الحاكم رغم محاولاتهم العديدة بالذهاب إلى جبل صبر.. وبدلاً من ذلك ذهب نيبور إلى جبل يسمى جبل سورق.

ولاحظت في هذا الكتاب من حين وصولهم البعثة حتى مغادرتها لم يأتوا على سيرة شجرة القات أو ان اليمنيين كانوا يمضغونها من عدمه ولعل تلك الفترة لم يكن القات ذا أهمية أو انه لم يُعرف في ذلك الزمن.

وقد يكون في تفصيلات مذكراتهم وخصوصاً العالم نيبور وكتبه الذي اخذ يجمع المعلومات عن تاريخ تعز وشكل حكومتها ما يغني في ذلك وأتمنى أن يأخذ هذا الاقتراح في الاعتبار البحث في كتبه وترجمتها من قبل وزارة الثقافة أو السياحة في اليمن والمهتمين وغيرهم بهذا الشأن لتعرف أشياء كثيرة عن تلك الفترة الغائبة عنا.

ولولا مضايقة الحاكم للبعثة وتدخله في شئونهم لكانت حققت أهدافاً كبيرة في معرفة المزيد عن المدينة وللأسف ففي العشر الأوراق الموجودة بالكتاب والتي من المفروض أن تتحدث عن المدينة وأهميتها والزراعة فيها والأسواق ودور العبادة وأخلاق وطباع الناس من العامة الذين قابلوهم واين سكنوا في هذه المدينة وعدد سكانها وغير ذلك من المعلومات القيمة إلا أنها تكلمت عن مشاكلها مع الحاكم ومحاربته للقبائل الثائرة في جبل صبر وطلب الحاكم للرشوة ومرض مرافقيهم –فورسكال-حتى أنها لم تذكر اسم الحاكم في تلك الفترة –وهو ليس الإمام- لأن الإمام كان في صنعاء العاصمة . وتكلموا في هذه الأوراق العشر عن جاسوس حاكم المخاء وغير ذلك.

ونظراً لأنه لم يتم اختراع الكاميرا في ذلك الزمان فقد تم رسم مدينة تعز ومبانيها عن طريق نيبور مع انه لم يكن متخصص في الرسم كما ذكرت سابقاً إلا أنها تعتبر وثيقة هامة جداً عن المدينة في تلك الفترة وكيف كانت تبدو.

وقد لاحظت في هذا الرسم (مفاتيح) أرقام من رقم 1 وحتى رقم 14 تقريباً لبعض المساجد والمعالم والدور ولكنها لم توضح في الكتاب أو في الرسم ماهية تلك المفاتيح .

وأخيراً انصح بقراءة الكتاب لأنه مشوق جداً جداً وثري بالمعلومات القيمّة .



اراشيف